أبو حامد الغزالي
53
تهافت الفلاسفة
كتاب التهافت كما يراه الغزالي مر بنا أن الغزالي ألف كتاب « التهافت » وهو في فترة شكه الخفيف ، أعنى أنه لم يكن قد اهتدى إلى الحقيقة بعد ، وهذا يقتضى عدم اعتبار كتاب التهافت مصدرا من المصادر التي تستمد منها آراء الغزالي واتجاهاته الفكرية . ولقد قسم الغزالي أيضا كتبه قسمين : قسم سماه « المضنون بها على غير أهلها » وقد أدخر محتويات هذا القسم لنفسه ، ولآخرين اشترط فيهم شروطا يندر توافرها لشخص . وقسم قدمه للجمهور ، واعتبره خاصا بهم لائقا بمستواهم العقلي . ثم إنه جعل كتاب التهافت من القبيل الثاني ، فلا يصح إذن جعله من المصادر التي تصور آراء الغزالي كما يدين بها ، استمع إليه يقول « 1 » « وفي الرسالة القدسية أدلة العقيدة - وتقع في عشرين ورقة - وهي أحد فصول كتاب « قواعد العقائد » من كتاب « الأحياء » . وأما أدلتها مع زيادة تحقيق ، وزيادة تأنق في إيراد الأسئلة والإشكالات ، فقد أودعناها كتاب « الاقتصاد في الاعتقاد » في مقدار مائة ورقة ، فهو كتاب مفرد برأسه يحوى لباب علم المتكلمين ، ولكنه أبلغ في التحقيق وأقرب إلى قرع أبواب المعرفة من الكلام الرسمي ، الذي يصادف في كتب المتكلمين ، وكل ذلك يرجع إلى الاعتقاد لا إلى المعرفة ، فإن المتكلم لا يفارق العامي إلا في كونه عارفا ، وكون العامي معتقدا ، بل هو أيضا عرف مع اعتقاده أدلة الاعتقاد ليؤكد الاعتقاد ويستمره ، ويحرسه من تشويش المبتدعة ، ولا تنحل عقدة الاعتقاد إلى انشراح المعرفة .
--> ( 1 ) الأربعين في أصول الدين ص 24 المطبعة العربية .